ما الذي حدث في الإسكندرية؟ بقلم: أحمد عبدالمعطي حجازي
سيكون خطأ فادحا, وستكون نتائجه رهيبة مروعة أن نتهرب من مواجهة ما حدث في الإسكندرية, وألا نقف أمامه وقفة حق وصدق نراجع فيها أنفسنا, ونسألها عما حدث, ونجيب عن السؤال بأقصي مانستطيع من الصراحة والوضوح. فهذه الواقعة هي آخرما تبقي لنا من فرص النجاة. وليس بعدها اذا فوتناها إلا الكارثة. ما الذي حدث في الإسكندرية؟
الذي حدث في الإسكندرية هو ما قرأناه جميعا في الصحف وسمعناه من الإذاعات التي قالت إن مسرحية قدمت في كنيسة مارجرجس بمحرم بك تضمنت إساءة للإسلام, وسجلت علي اسطوانة تداولتها أيدي المسلمين الذين تجمهروا بعد صلاة الجمعة في مناخ رمضاني ملتهب, وساروا آلافا مؤلفة الي الكنيسة يعبرون عن غضبهم, ويتيحون للصوص والخارجية علي القانون أن ينضموا اليهم ويزايدوا عليهم, وينهبوا وهم في طريقهم الي الكنيسة ما يجدونه من محلات المسيحيين ويعتدوا عليهم, ثم يشتبك الجميع مع قوات الأمن التي تصدت لهم فيسقط من الجانبين من سقط قتيلا وجريحا.
وقد فاجأنا النائب العام يوم الجمعة الماضي بتصريح محير لـالأهرام قال فيه إن هذه المسرحية التي يقال أنها عرضت في الكنيسة لم تعرض فيها, وأن هذه الأسطوانة التي يقال أن المسرحية سجلت عليها لم يشاهدها أحد, ولم يسمعها أحد!
ومع أن هناك من يؤكدون أن المسرحية عرضت بالفعل مرة واحدة منذ عامين, فنحن لانملك إلا أن نصدق النائب العام. وربما استطعنا التوفيق بين الروايتين إذا فهمنا أن تصريح السيد المستشار ماهر عبدالواحد لايتعرض لما حدث منذ عامين وإنما يتعرض للأحداث الأخيرة التي وقعت بتأثير مما سمعه الناس عن عرض قديم.
لكن اكتشافنا المتأخر أن المسيحيين لم يعرضوا هذه المسرحية أصلا, أو أنهم عرضوها قبل عامين مرة واحدة, وأن ماحدث في الاسكندرية حدث بفعل الوهم والإثارة والتحريض لا بسبب المسرحية ولا بسبب الاسطوانة ـ أقول أن هذا الاكتشاف المتأخر لا يبعث علي الطمأنينة, ولا يجيب علي السؤال الذي يظل معلقا علي رؤوسنا بلا جواب. فما الذي حدث اذن في الإسكندرية؟ وإذا كان الوهم هو الذي صنع ما حدث, فما الذي يمكن أن تصنعه الحقائق المؤكدة؟ وهل هناك سبب حقيقي أو غير حقيقي يبرر الحرب الطائفية في مجتمع متحضر؟ وإذا كانت الفتنة قد اشتعلت قبل أسبوعين في الإسكندرية بتهمة وهمية لم يحاول من صدقوها أن يختبروا صحتها, فما الذي أشعلها طوال الأعوام الماضية في غير الإسكندرية من مدن مصر وقراها؟
ومن العجيب أن يندفع الناس لتصديق الاشاعات, وأن يتصرفوا بمقتضاها, فيخرجوا علي القانون, ويعرضوا أنفسهم ويعرضوا غيرهم للهلاك دون أن يشكوا فيما سمعوا أو يطلبوا دليلا عليه, فإذا كان من السهل أن تنطلي اشاعة من هذا النوع علي الآلاف من البسطاء الأميين أفلم يكن بين هؤلاء أو قريبا منهم ـ من يتشكك فيما قيل أو ينصح بعرض الأمر علي الجهات المسئولة؟
ولقد قرأت ما نشرته بعض الصحف من تعليقات بعض العقلاء علي أحداث الإسكندرية, فحمدت كثيرا مما قرأت, لكن العجب استبد بي حين وجدت عالما فاضلا, يتناول أحداث الإسكندرية في ندوة بدار الأوبرا, فيقول دون أن يتحفظ أو يحتاط ما يفهم منه أن المسرحية عرضت بالأمس, وأنها حلقة في سلسلة من الإساءات الموجهة للإسلام في الداخل والخارج.
ثم يشتد غضبه ويضيق صدره فيطالب المسيحيين باحترام الإسلام, كأنه رآهم يهينونه, وتعلو النبرة أكثر مما علت فيتوعد الليبراليين والقوميين وغيرهم قائلا إن تقوية الأزهر تعيدهم الي جحورهم!
أفهم أن يكون الأزهر القوي مدرسة للوعي الصحيح ومثلا أعلي للجدال بالتي هي أحسن, أما أن يكون أداة لقمع الذين يختلف العالم الكبيرمعهم, وللتحريض عليهم, وإجبارهم علي السكوت وحرمانهم من حقهم في التعبير عن رأيهم والمشاركة في الحياة الفكرية والسياسية, فهذا سلوك عدواني, ولغة لا تليق بأستاذ جامعي, وأحكام لا تستند لغير الأوهام التي حركت العوام وفجرت غضبهم!.
وسوف أفترض وأصدق أن الإساءة وقعت بالفعل, وأن بعض المسيحيين أبدي رأيا أو قدم عملا رأي بعض المسلمين أن فيه ما يخالف عقيدتهم أو يسيء فهمها, والعكس أيضا مفترض محتمل, فقد يقدم بعض المسلمين,عملا أو يعلن رأيا في المسيحية لايرضي عنه بعض المسيحيين هل يكون هذا مبررا لقيام حرب طائفية؟
ولقد سمعت بأذني من بعض خطباء الجمعة نقدا لعقيدة التثليت وطعنا فيها, وعلقت علي ما سمعته في هذه الصفحة, وكثيرا ما يتحدث هؤلاء الخطباء عن الإسلام فلا نفهم من حديثهم إلا الطعن والزراية بالأديان الأخري. وأكشاك الصحف تعرض الآن كتبا عن المسيخ والمسيحية, وعن مريم العذراء, والمسيح الدجال وسوي ذلك من الكتابات التي لانستطيع أن نثق في موضوعيتها أو نعلم نصيبها من الرصانة وسلامة القصد. وربما تضمن بعضها شيئا يخالف ما يعتقده المسيحيون, فهل يكون هذا مبررا لإثارة العداوة وإعلان الحرب, أم أن هناك أساليب أخري يعبر بها المتحضرون عن آرائهم وعقائدهم ومواقفهم, ويناقشون مشكلاتهم, ويحلون خلافاتهم؟ وهل يكون بعدنا عن هذه الأساليب المتحضرة واستسلامنا للوهم وسوء الظن وضيق الصدر دليلا علي أننا غير متحضرين وأن الحرب بيننا واقعة لا محالة؟!
لا أظن, فالمصريون متحضرون, وإنما تتعرض الأمم المتحضرة لظروف صعبة قاسية تفقد فيها القدرة علي التحكم في عواطفها, وتستسلم لمخاوفها, وترتاح للأكاذيب, وتنساق وراء الأوهام, وترتد الي حيث كانت قبل أن تتأدب وتتحضر. والألمان أمة متحضرة, لكن الملايين منهم تحولوا في ظل البربرية النازية الي وحوش يسعون لفرض سلطانهم علي العالم ولو دمروا الكوكب وأبادوا غيرهم من الأمم. والفرنسيون مثل أعلي في الحضارة والتمدن, لكن هزيمتهم في الحرب الثانية أفقدتهم صوابهم, فكان منهم من يتعاون مع الألمان الذين احتلوا بلادهم ويتقرب اليهم بالارشاد عمن يقاومونهم من أبناء وطنهم, ومن هؤلاء الخونة مشاهير لهم في البطولة الوطنية تاريخ حافل كالماريشال بيتان الذين تصدي للألمان في الحرب الأولي وانتزع منهم انتصارات مدوية, لكنه استسلم لهم وتعاون معهم في الحرب الثانية.
وقد تعرضنا نحن المصريين لما تعرض له الألمان والفرنسيون أو لأشد وأقسي مما تعرضوا له حين حلت بنا الهزيمة في يونيو عام1967 فافقتدنا توازننا, وهزت ثقتنا في أنفسنا وفي العالم وفي العصر وفي مباديء العصر وقيمه ومسلماته.
لقد هزم الألمان والفرنسيون وهم يملكون كل أسباب الانتصار وكل أسباب الخروج من الهزيمة, لأن أقدامهم راسخة في العصور الحديثة التي كانوا روادها وصناعها بعلمهم وعملهم. أما نحن فكنا لانزال نتلمس طريقنا اليها نقدم رجلا ونؤخرها حتي أصابتنا تلك الهزيمة الساحقة الماحقة, فأعادتنا الي حيث كنا في عصور الظلام, وضيعت علينا كل ما وصلنا اليه في القرنين الماضيين.
كل ما حققناه من شروط النهضة, وكل ما تعلمناه من ثقافتها, وبنيناه من مؤسساتها أتت عليه هذه الهزيمة التي مازالت تثقل كواهلنا وتسمم أرواحنا وتصيبنا بالخزي والعقم حتي اليوم, دون أن نجرؤ علي التصريح بهذه الحقيقة, ودون أن نراجع تاريخنا أو نحاكم حكامنا الذين ساقونا الي هذا المصير المشئوم كما حوكم النازيون في نورمبرج, والماريشال بيتان في فرنسا.
لقد فقدنا إيماننا بالحرية وبالتقدم, وانهارت ثقتنا في أنفسنا, فنحن نتقبل ما يفرض علينا فلا نرفض شيئا, ولا نبالي بشيء, ولا نسعي للوصول الي شيء, وهكذا نجحد مواهبنا, ونفقد ملكاتنا, وننسحب من الحياة في حركة أشبه ماتكون بانتحار جماعي نخدع أنفسنا حين نسميه صحوة دينية, وهو أبعد مايكون عن حقيقة الصحوة وجوهر الدين, وإنما هو ردة كاملة وغيبوبة وانفصال عن الواقع, وارتماء في أحضان المتاجرين بالدين الذين تضاعفت قوتهم في الكارثة, وانتهزوا فرصتها ليضعوا أيديهم علي الدين والدنيا معا, ويستولوا علي الجامع والشارع, ويفرضوا لغتهم وأزياءهم علي الرجال والنساء والأطفال وينهالوا بمعاولهم علي كل ما اجتهدنا في اقتباسه من الحضارة الحديثة وكل ما نقلناه عن الأمم المتقدمة, اذ لاحق لنا في أن نتقدم أو نجدد أو نجتهد أو نبحث لأنفسنا عن مخرج أو حل لأن الاسلام هو الحل, وهم وحدهم المتفقهون فيه المتحدثون باسمه, وليس أمامنا إلا أن نتبرأ من كل ما تعلمناه ونتخلي عن كل ما حققناه ونسمع لهم ونطيع.
علينا أن نتخلي عن الدستور لأن الدين هو الدستور, وعن الديمقراطية لأننا لا نختار لأنفسنا, وعن الدولة الوطنية لأنها لا تحكم بما أنزل الله, وعن الانتماء الوطني, فنحن لسنا في الوطن مصريين, وإنما نحن أديان وطوائف. ونحن لسنا في العالم بشرا متآخين وإنما نحن أمم متقاتلة وحضارات متصارعة, باختصار علينا أن نعود للعصور الوسطي التي يبدو أن الكثيرين منا عادوا اليها بالفعل, والدليل هو ما حدث في الإسكندرية وماحدث قبلها في لندن, ومايحدث الآن في فرنسا. فهل نواصل السير في المنحدر الذي دفعتنا اليه الهزيمة حتي نجد أنفسنا في الهاوية, أم ننتزع أنفسنا من الهزيمة ومن المنحدر ؟ هل نبقي كما نحن غائبين عن الوعي مستسلمين غير مبالين أم نستيقظ وننهض؟!
هذة المقالة تم نشرها بجريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 9 نوفمبر 2005