|
جرأة المسيح وشجاعته في إظهار الحق
جرأة المسيح وشجاعته في إظهار الحق "1"
بقلم المتنيح:الأنبا غريغوريوس
ما أكثر المواقف الجبارة التي يبدو فيها المسيح له المجد نموذجا ومثلا أعلي في إظهار الحق والدفاع عنه ببسالة وجرأة وقوة مع استعداد مطلق لتحمل المسئولية,وتقبل النتائج المترتبة علي تعليمه القوي الواضح.وقد عرف عنه هذا,وصار به مشهورا,بل ومشهودا له به من جميع الناس,الأصدقاء والأعداء علي السواء,حتي شهد له الفريسيون والهيرودسيون الذين كانوا يتصيدون له ما يشتكون به عليه,قائلين:يا معلم,نحن نعلم أنك صادق,وتعلم طريق الله بالحق,ولا تبالي بأحد.لأنك لا تحابي وجه إنسانمتي22:16,مرقس12:14,لوقا20:21وهذا اعتراف بشجاعته وجرأته كمعلم في إظهار الحق والدفاع عنه بغير محاباة أو تحيز أو مراعاة لوجوه الناس.
وهذا يتضح من مواجهته للناس,أفرادا وجماعات,بأخطائهم وتوبيخهم عليها. من ذلك موقفه المشهور عندما صعد في عيد الفصح إلي أورشليمفوجد الهيكل باعة البقر والغنم والحمام,والصيارفة جالسين إلي مناضدهمفصنع سوطا من جبال,وطردهم جميعا من الهيكل مع البقر والغنم,وكب نقود الصيارفة,وقلب مناضدهم.وقال لباعة الحمام:ارفعوا هذه من هنا,ولاتجعلوا بيت أبي بيت تجارةيوحنا2:13-16.
كذلك صنع للمرة الثانية في يوم أحد الشعانين المعروف بأحد السعف.فلما دخل يسوع الهيكل, وراح يطرد الذين يبيعون ويشترون في الهيكل, وقلب مناضد
الصيارفة,ومقاعد باعة الحمام,ولم يدع أحدا يحمل متاعا يمر عن طريق الهيكل.وأخذ يعلمهم قائلا:أليس مكتوبا أن بيتي يدعي بيت الصلاة عند جميع الأمم؟أما أنتم فجعلتموه مغارة لصوصفلما سمع الكتبة ورؤساء الكهنة ذلك أخذوا يبحثون كيف يهلكونه,لأنهم كانوا يخافونهمرقس11:15-18,متي21:13,12,لوقا19:46,45. وكان يواجه زعماء اليهود بأخطائهم ويؤنبهم جهارا علي ريائهم وسوء تصرفاتهم بكلمات شديدة ورهيبة,منذرا إياهم بالويل والثبور وعظائم الأمور-الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون فإنكم تغلقون ملكوت السماوات أمام الناس,فلا أنتم تدخلون,ولاتدعون الداخلين يدخلون.الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل بحجة أنكم تطيلون صلواتكم لذلك ستنالون دينونة أعظم.الويل لكم أيها القادة العميان..الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تؤدون عشور النعنع والشبث والكمون وأغفلتم جوهريات الشريعة,وهي العدل والرحمة والإيمان...أيها القادة العميان الذين يحتجزون البعوضة في المصفاة ويبتلعون الجمل.الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تطهرون خارج الكأس والصحفة,في حين أن باطنهما ممتليء نهبا ونجاسة.أيها الفريسي الأعمي,طهر أولا داخل الكأس والصحفة حتي يكون خارجهما طاهرا أيضا.الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تشبهون القبور المبيضة التي تبدو من الخارج جميلة,في حين أنها من الداخل ممتلئة عظام أموات وكل نجاسة.هكذا أنتم تبدون للناس في ظاهركم أبرارا,في حين أنكم في باطنكم ممتلئون رياء وإثما..فأنتم شهود علي أنفسكم بأنكم أبناء قتلة الأنبياء.فاملأوا أنتم إلي الحافة إذن مكيال آبائكم.أيها الثعابين بني الأفاعي كيف تفلتون من دينونة جهنم.لذلك ها أنا ذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء ومعلمين,فبعضهم تقتلون وتصلبون وبعضهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلي مدينة,كي يقع عليكم وزر كل دم زكي سفك علي الأرض,من دم هابيل البار إلي دم زكريا بن براخيامتي23:13-35,مرقس12:38-40,لوقا20:45-47.
وفي موضع آخر يقول لزعماء اليهود وعلمائهم موبخا أيضا علي ريائهم واهتمامهم بالمظهر دون الجوهر والمخبر-لقد أحسن إشعياء إذ تنبأ عنكم أيها المراءون فيما هو مكتوب إن هذا الشعب يكرمني بشفتيه,وأما قلبهم فبعيد عني,فعبثا عبادتهم لي ما داموا يعلمون مباديء مستمدة من وصايا الناس.لأنكم تهملون وصية الله وتتمسكون بما تسلمتموه من الناس,كغسل الأباريق والكؤوس,وكثير من مثل هذه الأمور التي تفعلونها..مرقس7:6-8,متي15:6-9. وفي مثل الكرم والكرامين الأردياء الذي ضربه السيد المسيح مبينا بوضوح أن صاحب الكرم هو الله,والكرامين الأردياء هم زعماء اليهود وقادتهم,قال في ختام المثل:فماذا يفعل بهم رب الكرم؟إنه يأتي فيهلك أولئك الكرامين ويعطي الكرم لآخرين يعطونه الثمار في أوقاتهالوقا20:16,15,مرقس12:9,متي21:41,40.ثم يقول لهم:لذلك أقول لكم إن ملكوت الله سينزع منكم وتعطاه أمة تؤدي أثمارهمتي21:43,فحاولوا أن يمسكوه,ولكنهم خافوا من الشعب,إذ أدركوا أنه قال هذا المثل عليهم,فتركوه ومضوامرقس12:12,متي21:46,45لوقا20:19. وزاد علي ذلك بقوله لهم:..الحق أقول لكم إن العشارين والزناة سيسبقونكم إلي ملكوت الله.لأنه قد جاء إليكم يوحنا في طريق الحق فلم تؤمنوا به,في حين آمن به العشارون والزناة.حتي إذا رأيتم ذلك لم تندموا بعدئذ لتؤمنوا بهمتي21:32,31. بل إنه نسبهم إلي الشيطان,معلنا براءة الله منهم-قالوا له:أبونا هو إبراهيم,فقال لهم يسوع:لو كنتم أبناء إبراهيم لكنتم تعلمون أعمال إبراهيم..فقالوا له:إننا لم نولد من زني وإنما لنا أب هو الله وحدهقال لهم يسوع:لو كان الله أباكم لأحببتموني,لأنني من الله خرجت وأتيت..إنكم أنتم من أب هو إبليس,وشهوات أبيكم تبتغون أن تتمموا...وأما أنا فأني أقول لكم الحق لاتؤمنون بييوحنا8:39-45. ومن توبيخاته لزعماء اليهود قوله:أتيت أنا دينونة للعالم حتي يبصر الذين لايبصرون ويعمي الذين يبصرون.فسمع هذا قوم من الفريسيين الذين كانوا معه.فقالوا له:ألعلنا نحن أيضا عميان؟قال لهم يسوع:لو منتم عميانا لما كانت لكم خطيئة.ولكنكم الآن تقولون إننا نبصر,فخطيئتكم لهذا باقيةيوحنا9:39-41. وكما صنع المسيح له المجد بالكتبة والفريسيين,وهم زعماء اليهود السنيين,كذلك صنع بالناموسيين منهم وهم علماء الشريعة,فلقد سمعوه يوبخ الفريسيين ويقدح في تصرفاتهم وأفعال ريائهم-فأجاب واحد من علماء الشريعة,قائلا له:يا معلم إنك بقولك هذا تشتمنا نحن أيضافقال:والويل لكم أنتم أيضا يا علماء الشريعة لأنكم تحملون الناس أحمالا يعسر حملها,وأنتم أنفسكم لاتمسون هذه الأحمال بإحدي أصابعكم..الويل لكم يا علماء الشريعة لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة,فلم تدخلوا أنتم والداخلون منعتموهملوقا11:45-52,متي23:4-7.ولقد لاحظ كثيرون من الشعب كيف كان يتكلم السيد المسيح بشجاعة ويوبخ زعماء اليهود بجرأة كبيرة.فقال قوم من أورشليم:أليس هذا هو الذي يبتغون قتله.وها هو ذا يتكلم علانية,ولايقولون له شيئا.فهل أيقن الرؤساء أن هذا هو المسيح؟يوحنا7:26,25. وكما صب الويلات علي الكتبة والفريسيين وزعماء اليهود بسبب ريائهم ومحبتهم للمظاهر الباطلة,وتعويجهم للحق الإلهي في سبيل مصالحهم الشخصيةكذلك صب الويلات علي بعض المدن اليهودية التي طغي أهلها وتجبروا واستشري الشر فيهم,ولم يتوبوا علي الرغم من أن المسيح صنع فيها أكثر معجزاته وأعمال قوته. من ذلك توبيخه لمدن كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم وأورشليم بقوله:الويل لك ياكورازين.الويل لك يا بيت صيدا,لأنه لو جرت في صور وصيدون المعجزات التي جرت فيكما لتابتا من قديم متحشتين بالمسوح والرماد ولكني اقول لكما إنه ستكون لصور وصيدون في يوم الدينونة حالة أكثر احتمالا مما لكمامتي11:22,21,لوقا10:14,13.
وأنت يا كفر ناحوم,أتحسبين أنك ترتفعين إلي السماء؟إنك سيهبط بك إلي الجحيم.لأنه لو جرت في سدوم المعجزات التي جرت فيك لظلت قائمة إلي اليوم.ولكني اقول لكم إنه ستكون لأرض سدوم في يوم الدينونة حالة أكثر احتمالا مما لكمتي11:24,23,لوقا10:15. يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها,كم من مرة أردت أن اجمع بنيك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا.هوذا يترك لكم خرابامتي23:38,37لوقا13:35,34.
وبنفس القوة التي كان يوبخ بها السيد المسيح الفريسيين وعلماء الشريعة والمدن اليهودية العاصية كان أيضا يوبخ الأفراد منهم. طلب إليه أحد الفريسيين أن يتناول الطعام عنده,فدخل وجلس إلي المائدة.فلما رأي الفريسي أنه لم يغتسل أولا قبل تناول الطعام,تعجب...فقال له الربيسوعأنتم أيها الفريسيون تطهرون خارج الكأس والصحفة.في حين أن باطنكم ممتليء نهبا وخبثا.أيها الأغبياء أليس الذي صنع الخارج هو الذي صنع الداخل أيضا؟فالأحري بكم أن تعطوا ما عندكم صدقة,ومن ثم يكون كل شيء طاهرا لكملوقا11:37-41. ثم دعاه أحد الفريسيين ليتناول الطعام معه,فدخل بيت الفريسي وجلس إلي المائدة وإذا بامرأة خاطئة في المدينة حين علمت أن يسوع جالس في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب,ووقفت من ورائه عند قدميه باكية وأخذت تبلل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتضمخهما بالطيب.فلما رأي الفريسي الذي دعاه ذلك قال في نفسه:لو كان هذا نبيا لعلم من هي هذه المرأة التي تلمسه,وما هو حالها وأنها خاطئةفأجاب يسوع وقال له:يا سمعان عندي شيءأقوله لكفقال:قل يامعلم...وقال لسمعان:أتري هذه المرأة؟لقد دخلت بيتك فلم تعطني ماء لقدمي,وأما هي فبللتهما بدموعها,ومسحتهما بشعر رأسها أنت لم تقبلني,وأما هي فمنذ أن دخلت بيتك لم تكف عن تقبيل قدمي أنت لم تدهن بالزيت شعري وأما هي فقد ضمخت بالطيب قدميلوقا7:36-46.وهذه مواجهة صريحة أبان فيها السيد المسيح لسمعان الفريسي تقصيره في واجبات الضيافة وأبسط قواعد اللياقة وفي هذه المواجهة الصريحة شجاعة وجرأة من المعلم وهو في بيت مضيفة نتعلم منه كيف ينبغي أن يكون المعلم كل معلم,صريحا وجريئا يواجه الناس بالحق أيا كانت مناصبهم,وأيا كان موقفهم منه,حتي لو كانت تربطه بهم رابطة معروف أو إحسان أو صلة قرابة أو صداقة أو تعاون. وكان يعلم في أحد المجامع يوم السبت.وإذا امرأة كان قد استولي عليها روح أصابها بمرض منذ ثمانية عشر عاما,فكانت منحنية ولم تكن لتستطيع أن تنتصب البتة فلما رآها يسوع دعاها إليه,وقال لها:أيتها المرأة,إنك محلولة الوثاق من مرضك.ووضع يديه عليها.ففي الحال انتصبت قائمة ومجدت لله.فأجاب رئيس المجمع وهو مغتاظ لأن يسوع شفاها في السبت.وقال للجمع:إن لكم ستة أيام يحل فيها العمل,ففيها تعالوا واطلبوا الشفاء وليس في يوم السبت.فأجابه الرب,وقال:أيها المراءون,ألا يحل كل منكم في يوم السبت ثورة أو حماره من المذود ويمضي به فيسقيه؟وهذه ابنة إبراهيم وقد ربطها الشيطان ثمان عشرة سنة,أما كان ينبغي أن تحل من هذا الرباط في يوم السبت؟.فلما قال هذا خزي كل الذين كانوا يقاومونه وأما الشعب فكان يفرح كلهلوقا13:10-17.
|