|
بناء الكنائس بين العزبي والإخوان !!
بناء الكنائس بين العزبي والإخوان !!
القس / رفعت فكري سعيد
يعتبر موضوع بناء الكنائس من الموضوعات الصعبة والشاقة في معظم بلدان الشرق الأوسط وقد تفننت كل دولة في وضع القوانين التي تعرقل بناء الكنائس كلما أمكن ذلك. وتعتبر مصر واحدة من دول الشرق الأوسط التي عانت ولازالت تعاني من هذا الموضوع. وقد تعرض لموضوع بناء الكنائس العزبي باشا وكيل وزارة الداخلية كما تعرض له الإخوان المسلمون. ففي شهر فبراير سنة 1934 أصدر (العزبي باشا) وكيل وزارة الداخلية قراراً صيغ في صورة عشرة أسئلة يتحتم استيفاء إجاباتها للحكم في إمكانية بناء كنيسة من عدمه، ولا تزال الجهات الإدارية تعمل بهذه الشروط المجحفة حتى الآن
وهذه الشروط العشرة هي:
1- هل الأرض المرغوب بناء الكنيسة عليها هي من أرض الفضاء أو الزراعة، وهل هي مملوكة للطالب أم لا، مع بحث الملكية من أنها ثابتة ثبوتاً كافياً وترفق أيضاً مستندات الملكية؟.
2- ماهي مقادير أبعاد النقطة المراد بناء الكنيسة عليها عن المساجد والأضرحة الموجودة بالناحية؟
3- إذا كانت النقطة المذكورة من أرض الفضاء فهل هي في وسط مساكن المسلمين أو المسيحيين؟
4- إذا كانت بين مساكن المسلمين فهل لا يوجد مانع من بنائها؟
5- هل يوجد للطائفة المذكورة كنيسة بهذه البلدة خلاف المطلوب بناؤها؟
6- إن لم يكن بها كنائس فما مقدار المسافة بين البلد وبين أقرب كنيسة لهذه الطائفة بالبلدة المجاورة؟
7- ما هو عدد أفراد الطائفة المذكورة الموجودين بهذه البلدة؟
8- إذا تبين أن المكان المراد بناء الكنيسة عليه قريب من جسور النيل والترع والمنافع العامة بمصلحة الري فيؤخذ رأي تفتيش الري، وكذا إذا كان قريباً من خطوط السكة الحديد ومبانيها فيؤخذ رأي المصلحة المختصة في ذلك.
9- يعمل محضر رسمي عن هذه التحريات ويبين فيه ما يجاور النقطة المراد إنشاء كنيسة عليها من المحلات السارية عليها لائحة المحلات العمومية والمسافة بين تلك النقطة وكل محل من هذا القبيل ويبعث به إلي الوزارة.
10- يجب علي الطالب أن يقدم مع طلبه رسماً علمياً بمقياس واحد في الألف يوقع عليه من الرئيس الديني للطائفة ومن المهندس الذي له خبرة عن الموقع المراد بناء الكنيسة عليه وعلي الجهة المنوطة بالتحريات أن تتحقق من صحتها وأن تؤشر عليها بذلك وتقدمها مع أوراق التحريات.
ومن يقرأ التاريخ جيداً يدرك للوهلة الأولي أن هذه الأغلال العشرة التي وضعت لبناء الكنائس وضعت في ظل مناخ سياسي رديء معاد للحريات والديمقراطية وفي ظل حكومة انتقالية هشة لاتمثل الشعب ولم تدم لأكثر من أربعة عشر شهراً. ومنذ صدور قرار العزبي تغيرت النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية أكثر من مرة فمن الملكية والاستعمار إلي الجمهورية والاستقلال ومن النظام الشمولي إلي التعددية الحزبية، ورغم ذلك لم يفكر أحد في إعادة النظر في تلك الشروط العشرة. ووفقاً لهذه الشروط الظالمة يكون من العسير جداً بناء أية كنيسة فبهذه الشروط اعتبرت الكنائس ضمن المحال المقلقة للراحة ولذا وضعت هذه الشروط المجحفة للتعجيز والصد عن بناء الكنائس، وإن لم يكن فالمماطلة وتضييع الوقت والمضايقة للقائمين بمشروع بناء الكنيسة لعلهم (يزهقون) ويعدلون عن بنائها أو لحين أن يغتصب الغاصبون الأرض ليبنوا عليها أي شىء آخر غير الكنيسة!! وهذه الشروط السخيفة لا مثيل لها في أي بلد من بلاد العالم فما شأن مصلحة الري أو الزراعة أو السكة الحديد في بناء الكنيسة؟! ولماذا كل هذه الأبعاد العديدة المطلوب إثباتها بين الكنيسة وبين المساجد والأضرحة والمحلات العمومية وما معني الشرط الثالث عن وجود الكنيسة وسط أماكن المسلمين أو المسيحيين هل نحن في الهند حيث توجد أماكن خاصة بالهنود وأخري بالمنبوذين، إن هذا الشرط يخالف الوحدة الوطنية فلا توجد في مصرنا الحبيبة أماكن خاصة بالمسلمين وأخري بالمسيحيين ففي كل عمارة وحارة يسكن المصريون مسلمين ومسيحيين دون أية تفرقة فلماذا هذه التفرقة الخطرة المشوهة لسمعة بلادنا في الداخل والخارج؟!! والأغرب هو الشرط الرابع إذ يتلمس أسباب المنع حين تكون بين مساكن المسلمين (وهل يوجد مانع من بنائها؟) أما الشرط الخامس فهو يسأل عن وجود كنيسة أخري للطائفة بالبلدة وكأن تعدد الكنائس شر يجب منعه ومن الغريب أن هذا الشرط لا وجود له في طلب الترخيص بفتح خمارة أو مرقص!! أما الشرط السادس فهو أغرب إذ يطلب معرفة المسافة بين البلدة وبين أقرب كنيسة في البلاد المجاورة كي يشد المصلون رحالهم إليها إذا رغبوا في الصلاة ولا داع لبناء كنيسة خاصة ببلدتهم الأسيفة!! أما الشرط السابع فيسأل عن عدد أفراد الطائفة المذكورة في البلدة وهو شرط شديد الغرابة كأنه لا حق لفئة قليلة في التعبد والصلاة وسماع الوعظ والإرشاد فهل يليق بدولة عظمي في مكانة مصر تحترم حقوق الإنسان أن تطبق شروطاً ظالمة مجحفة عفا عليها الزمن ووضعت في ظروف تاريخية خاصة لتقيد حرية العبادة؟!! هذا كان موقف العزبي باشا، أما موقف الإخوان المسلمين فقد نشرته مجلة الدعوة في إصدارها الثاني ففي العدد رقم 56 والصادر في شهر ديسمبر عام 1980 أجاب الشيخ محمد عبد الله الخطيب مفتي الجماعة وعضو مكتب الإرشاد الحالي عن سؤال حول حكم بناء الكنائس في ديار الإسلام فقال سيادته ما نصه: (إن حكم بناء تلك الأشياء – على حد تعبيره – في ديار الإسلام على ثلاثة أقسام: الأول: بلاد أحدثها المسلمون وأقاموها كالمعادي والعاشر من رمضان وحلوان وهذه البلاد وأمثالها لا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا بيعة. والثاني ما فتحه المسلمون من البلاد بالقوة كالإسكندرية وهذه أيضاً لا يجوز بناء هذه (الأشياء) فيها – بل إن الشيخ يؤكد أن بعض العلماء طالب بوجوب الهدم لأنها مملوكة للمسلمين – والقسم الثالث ما فتح صلحاً بين المسلمين وبين سكانه والمختار هو إبقاء ما وجد فيها من كنائس وبيع على ماهي عليه في وقت الفتح على أن يمنع بناء أو إعادة بناء ما تهدم منها). والمفهوم من هذه الفتوى في غير لبس أن البلاد التي أحدثها المسلمون وأقاموها لا تتسع لغير المسلمين. وهناك سؤال يطرح نفسه أين يذهب المصري المسيحي المقيم في الإسكندرية عندما تهدم الكنائس هناك بحسب الفتوى؟!!!
النتيجة المنطقية أنه سيذهب إلى الأماكن التي يسمح الإخوان ببناء الكنائس فيها والتنازل الوحيد الذي يقدمه الإخوان هو الإبقاء على ما كان موجوداً من كنائس ولكنهم يجعلون من هذا التنازل سراباً عندما يمنعون بناء ما تهدم منها ولابد أن الزمن كفيل بتحقيق أغراض الجماعة!! والمحصلة النهائية المستخلصة من فتوى الإخوان هي حتمية غياب الكنائس في ديار الإسلام ويترتب على ذلك منطقياً أنه لا مكان لغير المسلمين في مصر، فالشيخ ينهي فتواه مشدداً بوضوح على أنه لا يجوز إحداث كنيسة في ديار الإسلام. ومنذ أن تولى الرئيس مبارك قيادة البلاد وهو يحاول جاهداً إصلاح هذا الانتهاك الواضح فقد أصدر سيادته عدة قرارات جمهورية بتفويض المحافظين كل في دائرة اختصاصه لتسهيل مهمة ترميم الكنائس وترميم دورات المياه بها دون الحاجة لأخذ قرار جمهوري. فأصدر سيادته القرار رقم 31 لسنة 1998 والقرار رقم 453 لسنة 1999 وأخيراً أصدر سيادته القرار رقم 291 لسنة 2005
وعلى الرغم من أهمية هذه القرارات إلا أن هناك عدة أسئلة أثارها البعض بشأن القرار الأخير منها: ماهي الجهات المعنية التي يجب موافقتها وكم عددها؟ فقد يكون هذا الأمر عائقاً ومعطلاً وهذا عكس ما قصد إليه من القرار. ثم ألم يحن الوقت لأن يتخلى الأمن عن هذا الموضوع ويرفع يده بالكامل فيما يتعلق بترميم الكنائس وبنائها؟!!!
ثم ما هو الفرق بالضبط بين القرار الأخير والقرارات السابقة؟!! ثم ماذا عن الأماكن التي ليس بها كنائس مطلقاً وماذا عن المدن الجديدة؟ فالقرار الجمهوري لم يتطرق لهذا الموضوع مطلقا!! إن قرار الرئيس مبارك هو لاشك خطوة هامة ورئيسية على طريق الإصلاح، ولكن تأكيداً للمساواة وترسيخاً لمبدأ المواطنة واحتراماً لحقوق الإنسان والتي تتضمن حرية العبادة لا بديل أبداً عن إصدار قانون موحد لبناء دور العبادة على أرض مصر. وما ينطبق على بناء المساجد لابد وأن ينطبق أيضاً على بناء الكنائس، ومبارك وحده هو القادر على تغيير الوضع وتصحيح ما أفسده العزبي والإخوان!!.
|